مدينتي    |    طرابلس 2020   .   تاريخ مدينة طرابلس
تاريخ مدينة طرابلس
  • مدينة التراث
    يُعزى في الإجمال تأسيس مدينة طرابلس الساحلية إلى الفينيقيين في القرن الثامن قبل الميلاد.

    كانت طرابلس تمثّل مركز اتحاد المدن- الدويلات الفينيقية، بالإضافة إلى صيدا وصور في جنوب لبنان، وأنطاكيا في أعلى الشمال. وقد قُسِّمَت طرابلس إلى ثلاثة أحياء مختلفة، ومن هنا جاء اسمها من اليونانية الذي يعني "المدن الثلاث".

    تقع طرابلس في شمال لبنان، على بعد 85 كلم من بيروت، وتغتني المدينة بفضل التجارة البحرية، فإن مرفأها الواقع في الميناء يشكل قناة لعمليات التبادل التجاري بين الحوض الشرقي للبحر المتوسط والغرب، كما يشكل نقطة عبور للقوافل المتّجهة إلى شمال سوريا أو المناطق النائية.

    بعد غزو مرفأ طرابلس على يد الإسكندر الكبير، استحال مركزًا لبناء السفن التابعة للجيش الإمبراطوري.

    في العام 64 قبل الميلاد، وقعت المدينة في قبضة الرومان. فبالنسبة إلى روما، كانت طرابلس ذات أهمية استراتيجية كبرى نظرًا لموقعها الجغرافي في منتصف الخط الساحلي للأمبراطورية الذي يمتد من أنطاكية إلى عكا. ما زالت المدينة حتى اليوم تحتفظ بتقسيمها الإدراي نفسه الذي اعتمد في العصر الفينيقي، فتتألف من ثلاثة أحياء مستقلّة.

    تسريع عجلة الحركة الاقتصاديّة
    في عام 450، دُمِّرَت طرابلس تمامًا إثر زلزال عاث فيها خرابًا. وبعد الهزيمة البيزنطية إثر معركة اليرموك (في عام 636)، خضعت المدن الساحلية لهيمنة الخلفاء الأمويين، ودخلت طرابلس في حقبة جديدة على المستويين الاقتصادي والثقافي على حدّ سواء.

    بعد استيلاء الصليبيين على القدس في عام 1099، ألحِق لبنان إلى دول الفرنجة في الشرق. ووقعت طرابلس في عام 1109، بعد عشر سنوات من الحصار ، في قبضة كونت تولوز الصليبي ريموند دي سان جيل. عاث الفتح خرابًا شاملاً، فدمّر مكتبة طرابلس الشهيرة التي عُرِفت بدار العلم لما تحتويه من آلاف المؤلّفات. غير أن الفرنجة قاموا بتشييد مبانٍ مختلفة بما في ذلك قلعة عُرِفت باسم قلعة سان جيل (أو قلعة صنجيل) التي تقع على تلة تطل على نهر أبو علي وبرج السباع، وهو حصن قرب الميناء.

    بدأت مدينة طرابلس القديمة المبنيّة قرب القلعة بالتوسّع في عام 1289 حين طرد المماليك الصليبيين. وتتألّف المدينة من أزقّة ضيّقة متداخلة، وقد صُمِّمَت عل هذا الشكل لدفع الغزوات العسكرية. ومنذ هذه الحقبة، توسّعت المدينة بشكل منفصل عن مرفأ الميناء.

    واستمرّت طرابلس حتى القرن التاسع عشر في التوسع والتحلّق حول مسجدها الكبير. وبعد أن ألحق العثمانيّون الهزيمة بالمماليك في عام 1516، سيطروا على المدينة وأحكموا تحصين القلعة من دون المساس بالأسواق التي بقيت تؤدّي دورها التقليدي، وإن لم تكن جهود الترميم على صعيد الهندسة المعمارية والبنى التحتيّة حثيثة.
  • المدينة الحديثة: مطلع القرن التاسع عشر
    في عام 1881، بلغ عدد سكان مدينة طرابلس الـ20000. وفي عام 1909، تم شق طريق للمرة الأولى ما بين بيروت وطرابلس، لتمرّ في عام 1911، سكة حديدة تصل طرابلس بمدينة حلب. في عام 1941، أكملت قوات الانتداب الفرنسي العمل على هذا المحور، عبر افتتاح طريق فرعية تربط بيروت بطرابلس وحلب.

    وبدءًا من العام 1860، بدأت بيروت تحلّ مكان طرابلس، بعد تدخّل القوات العسكرية، ولا سيما الفرنسية، سعيًا إلى إرساء استقلالية إدارية ومالية في منطقة جبل لبنان بعد ثورة الفلاحين. قدّم هذا النظام الجديد الذي عُرِف بنظام متصرفية جبل لبنان امتيازات مالية شجّعت الاستثمارات الأوروبية في منطقة جبل لبنان ولا سيّما في صناعة الحرير.

    ارتقى هذا التغيير الاقتصادي ببيروت، فراحت تتحوّل تدريجيًّا إلى المركز السياسي الجديد في المنطقة. وما الخيارات الانتدابية التي اتُّخِذَت في القرن العشرين سوى تأكيد لهذا الواقع.
    الخيارات الانتدابية
    في طرابلس، تمركزت سلطة الانتداب في منطقة التّل، التي اعتبِرت رمز المدينة الجديدة العصرية، خلافًا للأسواق التجارية في المدينة القديمة، التي باتت تُعتَبر حينذاك من الماضي السحيق.

    أخلت الأُسَر الغنيّة المدينة التاريخية لتستقر في أحياء واسعة، بيوتها مريحة، في حين أن الفقراء الذين دُفِعوا إلى النزوح الريفي، سيطروا على المدينة القديمة أو استقرّوا في التبّانة. وفي غضون بضع سنوات، تضاعف عدد سكان المدينة، ففي حين بلغ عدد سكان طرابلس 41474 نسمة في عام 1932، أصبح عددهم 80000 نسمة في عام 1943.

    وفي عام 1929، تم إنشاء محطة قاديشا الكهرمائية، وفي عام 1932 أرست شركة نفط العراق (IPC) محطة لها في البدّاوي، قبل أن تتّخذ القرار بنقل مقرّها الرئيسي من مدينة حيفا إلى طرابلس في عام 1949، بعد مُضيّ وقت قصير على إنشاء دولة إسرائيل.

    في عام 1954، تم إنشاء مرفأ في الميناء، فيما افتُتِحت قناة للوصول إليه عام 1961. غير أن تطوّر مرفأ طرابلس أعيق بفعل ظهور مرفأين سوريين وهما مرفأ اللاذقية، ومرفأ بانياس، وقد استطاعت دمشق من إنمائهما عبر وضع حواجز جمركية بين لبنان وسوريا.

    وفي 17 كانون الأول/ ديسمبر 1955، اجتاح فيضان مدمر لنهر أبو علي المدينة بأسرها تاركًا 2000 شخصًا بلا مأوى ومتسبّبًا في وفاة ما يقارب 160 طرابلسيًّا. سارعت هذه الكارثة رحيل الطبقات الوسطى من المركز التاريخي، المحاذي للنهر ، إلى أحياء جديدة. فقد أنشئ حي "عزمي" لهذه الغاية، بين عامي 1960 و1970 غرب منطقة التل باتجاه المرفأ. ونظرًا للمساكن الفخمة التي بُنِيت في هذا الحي، تحوّل إلى منطقة تجارية بامتياز.

    واشتدّ عزل الأحياء التاريخية، فأمست "أحياء محرومة". وفي الستينيات، أقيمت عدّة تظاهرات، ترافقت مع ظهور حركة احتجاج اجتماعي عارمة عُرِفت بتسمية "دولة المطلوبين" بقيادة علي عكاوي، الذي ندّد بتفاقم الفقر في حيّه باب التبانة.

  • طرابلس تبحث عن مستقبلها
    بدأ غياب الطابع الصناعي عن المدينة في السبعينيّات، مع إقفال المصانع في منطقة البحصاص. وإثر قصف مصفاة البترول عام 1983 كما توقّفت حركة نقل السكة الحديدية مع اندلاع الحرب الأهلية.

    غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحرب فحسب، إذ ساهمت القرارات الصادرة عن السلطة في الوقوف في وجه الإنتاجية. فما حلّ بمعرض رشيد كرامي الدولي خير دليل على ذلك، فبعد إنشائه في الستينيات على يد المهندس "أوسكار نيماير"، لم يفتح أبوابه إلا بشكل مؤقّت. ففي البداية، هدف إنشاء المعرض إلى تحريك العجلة الاقتصادية في طرابلس عن طريق منحها وسيلة تنمية واندماج تضاهي المشاكل الاجتماعية السياسية التي تأتّت عن أحداث العام 1958، حين انحازت طرابلس إلى "الثوار" الناصريين.

    وكان من المفترض أن ينافس معرض طرابلس الدولي بمساحته التي بلغت 700000 م2 معرضي دمشق وبغداد الإقليميّين الكبيرين (لا بل توقّع مؤسسوه أن يتفوّق عليهما). غير أنّ فكرة إقامة "معرض دولي" لم يُكتب لها عمر طويل، فلم تتابع الدولة اللبنانية هذا المشروع.

    الحرب تعزز الاشتقاقات
    عزّزت الحرب الشرخ بين مختلف القوى السياسية في طرابلس كما وفي سائر المناطق اللبنانية، أكان بسبب القضية الفلسطينية، أو تأكيد القومية العربية، أو صعود الحركة الإسلامية، أو التدخل السوري.

    واستحال حيّا التبانة وجبل محسن وصمة أليمة. ففي الأصل، شكل الحيّان كيانًا واحدًا يمثّل مركزًا تجاريًّا جاذبًا، يسكنه التجار الكبار، والعمال الصغار في أن معًا. غير أن الحرب الأهلية شطرته إلى قسمين يعكسان الشرخ الطائفي: قسم باب التبانة ذات الأغلبية السنية، وقسم جبل محسن ذات الأغلبية العلوية.

    وفي عام 1986، شهدت المنطقة مجزرة أليمة حقيقية. وتجدّدت الاشتباكات والمواجهات في عام 2008، وحصدت عشرات الأرواح. فرغت التبانة من ثلث سكانها، وباتت منطقة منعزلة ومنطوية على ذاتها.

    وبالتزامن مع ذلك، تعزّزت قوّة حركة التوحيد الإسلامي، وهي منظمة إسلامية تأسست في بداية الثمانينيات على يد الشيخ سعيد شبان. وبين عامي 1981 و1986، وسّعت هذه الحركة حلقة نفوذها في المدينة، بدءًا من أحياء أبو سمرا، مرورًا بالقبّة، ووصولاً إلى باب التبانة. كما نشبت نزاعات عنيفة بين هذه المنظمة والحركات الموالية لسوريا، قبل أن يسيطر الجيش السوري على المدينة في عام 1986.

    وتأتت عن هذه المواجهات عواقب وخيمة، تركت ندوبًا عميقة في النسيج الاجتماعي وهو متعدد الطوائف في المدينة. ففيما كانت مختلف الطوائف تعيش في السابق في تكامل تام، انطوت كل طائفة على ذاتها وانزوت في قوقعتها: فالتجأ الموارنة إلى منطقة زغرتا، أما الأرثوذكس فتجمعوا في الميناء والزهرية، فيما انغلقت الأقلية العلوية في جبل محسن.

    ولم تندمل جروح الحرب الأهلية حتى الآن في طرابلس، ولا يزال الوضع الاجتماعي والاقتصادي يعزز نزيفها. غير أن المدينة ما زالت تتمتّع بالجاذبية، وما انفكّ النمو السكاني يتزايد بوتيرة سريعة. فما زالت المنطقة تشكل الوجهة الأخيرة للكثير من عمليات تصدير المنتجات المصنّعة وتشتهر بصناعتها الحرفية، من حيث خانات الصابون، أو مشاغل النحاس. اليوم، تضم مدينة طرابلس الساحلية ما يقارب الـ 320000 نسمة. ويضم اتحاد الفيحاء البلدي كل من طرابلس، والميناء، والبدّاوي، ويُضاف إليها مدينة القلمون، وهو يجمع قرابة ثلثي سكان شمال لبنان، أي حوالى 364000 نسمة في عام 2010.