أخبار روبير فاضل    |    سياسيّة محلّية   .    طرابلس   .   بادر
ماذا بعد استقالتي؟
نشر بتاريخ 24/06/2016


تفاجأ الكثيرون بابتسامتي العريضة عندما قدّمت استقالتي الخطية من مجلس النواب في حزيران الماضي و ظنّوا انني سأعود عنها سريعاً أو انني توّاق الى العودة الى القطاع الخاص بعد تجربة مرّة في الحياة العامة.
لم يعرف، الّا القلّة، مدى الانزعاج الذي بدأت أشعر به قبل سنتين، بعدما قطعت الأمل بإنجاز أي خطوة تحسِّن وضع بلدنا المأساوي، حيث إتضّح لي بأنني اصبحت شَرِيكاً لنظام و تركيبة و ثقافة سياسية تحوّلت الى عبء على الدولة و الشعب. و بعد الاستقالة، و بعدما راجعت تجربتي السياسية، تبين لي أن الشعب اللبناني يستحق نظام أفضل و أنه لا يزال لديه الطاقة الحيوية و الرؤية و الالتزام لاصلاحه. و أن مكاني الطبيعي هو من بين هؤولاء.
هذه المقالة اول خطوة في رحلتي الاصلاحية. حاولت ان أختصر تجربتي السياسية لعلّها تنوّر كل مواطن وخاصة الشباب منهم ، و تقنعهم على الانخراط بشكل فاعل في إصلاح نظامنا السياسي.

قبل الدخول في تفاصيل تجربتي و توصيف امراض نظامنا، من الواجب الاعتراف ان الطبقة الحاكمة تمكّنت من توقيف الحريق المذهبي الذي يشعل المنطقة على حدود لبنان، و هذا إنجاز لا يستهان به. و لكن هذا الانجاز لم يترجم في ادارة الخلافات الداخلية و تأمين الحدّ الادنى من الخدمات العامة و وقف ظاهرة تفكيك الدولة و تعميم الفساد. النظام اللبناني بمعنى المنظومة السياسية يشكو من أمراض عديدة تهدّد مبررات الكيان و مضمون رسالته:

أولها، ثقافتنا السياسية: لن أنسى أول إجتماع لللائحة الإئتلافية في طرابلس أسابيع قبل الانتخابات النيابية الاخيرة سنة ٢٠٠٩، حين إقترحت على زملائي الاستفادة من التوافق السياسي بين قيادات المدينة للالتزام ببرنامج إنمائي يخلق فرص عمل و يعيد العجلة الاقتصادية الى هذه المدينة المنكوبة. ردّ أحد الحاضرين بعبارة "مبيّن ان روبير جديد بالسياسة!". لم أدرِ بوقتها أن هذه الملاحظة ستكون عنوان السنوات ال٧ التي عشتها في المجلس حيث تبين لي أن عدداً كبيراً من المسؤولين غير معنيين بالمصلحة العامة و بتخفيف معاناة الناس الا اذا كانت من خلال مؤسساتهم الخاصة أو على الأقل تُسجّل في خانتهم. و الكثير يمارس بقصد أو غير قصد المبدأ الشهير «تخرب على يدي و لا تعمر عن يد غيري».

ثانيها، الاستفادة بدل معالجة الفقر المدقع: قدمت إقتراح قانون لإزالة الفقر المدقع يخفف معاناة ٣٠٠ الف لبناني يعيشون بأقل من ٦ دولار يومياً و يُؤْمِّن تعليم الأولاد و تدريب الأهل لإخراجهم من دوامة اليأس بكلفة لا تتخطى ٥٪‏ من عجز الكهرباء أو ٢٪‏ من خدمة الدين. تبيّن لي من خلال سنة و نصف من الترويج لهذا القانون ان جزء كبير من الطبقة السياسية غير معنية بمعالجة ظاهرة الفقر الأدنى أو في حالة إنكار كأن الفقر ظاهرة لا تعني اللبنانيين أو للأسف لا يريد تحرير هؤولاء المواطنين من الحاجة الى خدماتهم لأن الامساك بأسواطهم احدى ركائز النظام الحالي.

ثالثها، ميزات الفساد اللبناني: الفساد للأسف احد وجوه السلطة حتى في البلدان المتقدمة الا ان بعض البلدان تسمح بمعاقبتها و بالتالي لم تكن فاضحة و على وجه النهار كما أضحت في لبنان. المشكلة صراحة ان النسخة اللبنانية من الفساد لها ميزتين مقلقتين: الاولى، ان بعض القيمين على الدولة، لا يترددون على تحميلها خسائر باهظة لمنافع قليلة نسبياً. نكبّل خزينة الدولة بالمليارات لنستفيد بالملايين. و هذا صراحة جريمة مزدوجة لانها ليس فقط ضد المصلحة العامة و لكن عكس المنطق و استدامة مصادر التمويل! الميزة الثانية، ان الفساد الذي يجب ان يكون جزءاً صغيراً من مدخول الدولة اصبح في بعض الأحيان الجزء الأكبر فتعامل الدولة كأن لهل حصة السمسار و للسمسار حصة الدولة! و الخوف هنا: أهكذا ستعامل الدولة و الشعب اللبناني في الملف الأكبر في تاريخ لبنان اَي ملف النفط؟ رابعها، المغترب يدفع الفديّة و لم يحرر الرهينة: الإغتراب هو بكل تجرّد سر الأعجوبة اللبنانية. أكثر من ٧ مليار دولار سنوياً تنكبّ في الاسواق المالية و التجارية و العقارية و تخفف من مفاعيل سوء إدارة الدولة. و المضحك مبكي ان المغترب هو خشبة خلاص النظام و ليس له كلمة فيه. يدفع الفدية لتحسين وضع ارض جذوره و لتخفيف معاناة أهله. و النظام يأخذ الفدية و يترك الرهينة في حبسها الكبير.

خامسها، نظام مرتكز على شبكة مصالح و العنف السياسي: تمكّن القيّمين على النظام من مدّ شبكة مصالح تأمّن دعم جزء كبير من رجال الاعمال و رجال الدين و المجتمع المدني. غير أن اللعبة الأمنية متحكمة بالنظام من خلال الأجهزة الأمنية و رواسب بعض الميليشيات و وجود السلاح بيد فريق سياسي. و لو ان فارق القوة بين حزب الله و بين اَي لاعب آخر قد تكون وفّرت على لبنان العودة الى شبح الاقتتال الداخلي.

سادساً، إستعادة التوازنات الداخلية أم تعميق الخلافات الطائفية: مشاركتي في اكثر من ١٥ جولة من طاولة الحوار الوطني أوضحت المعالم الاساسية لنظامنا السياسي. شخصت هذا النظام ب٣ فئات وضعت عليها صفات تعلّمتها في القطاع الخاص: شركاء رئيسيين، ثم شركاء عاديين و اخيراً شركاء صغر. منذ انتهاء الحرب الأهلية، هناك ٣ شركاء رئيسيين و هم الفرقاء الذين ربحوا الحرب. تمكن الشركاء الرئيسيين من المحافظة على ميزاتهم من خلال إنقسام القيادات المسيحية التي كانت احد ركائز هذا النظام. هل إنتخاب رئيس جمهورية له حيثية شعبية داخل طائفته و طي صفحة الانقسامات المسيحية هو معالجة إحدى ثغرات نظامنا الاساسية أو أنه ضعضع هذا النظام و دخلنا في فترة انتقالية قد تغيّر هوية و دور و وزن الشركاء الاساسيين و بالتالي تعمّق الخلافات.

سابعاً، للمشاركة توأمها الشرير و هو المحاصصة: في نظام الطوائف، لا موالات و لا معارضة. اما ان يكون الكل في الحكم ام لا يكون حكم على الإطلاق. تحت عنوان مبدأ نبيل و هو المشاركة، تعطّل دور المراقبة المنوط بالمجلس النيابي في إطار مبدأ فصل السلطات. والسبب هو إعتماد مبدأ حكومات الوحدة الوطنية التي هي صورة مصغرة عن المجلس. فكيف يراقب المجلس الحكومة إذا كانت نسخة عنه؟ و لا مكان لدولة و مؤسسات مركزية قوية خارجة عن سيطرة الطوائف. في دولة الطوائف، استتبع زعماء الطوائف معظم المؤسسات التي يفترض أن تصحّح أداء الحكومة و منها مؤسسات الرقابة و النقابات و الهيآت الاقتصادية و الاعلام ما عدى حالات قليلة جداً . و بالتالي بات نظامنا السياسي عاجز عن إصلاح و تجديد و تحسين آداءه.

العبر كثيرة، و لكن يمكن تلخيص تجربتي السياسية بكلمات مقتضبة: قوة الطبقة السياسية أضحت اكبر خطر عليها و على الكيان لأنها أعدمت كل مقومات إصلاحها.

لتك الاسباب، تركت النيابة و السلطة و ميزاتها لاكون جندياً في حركة وطنية مدنية اصلاحية، وازنة، مستقلة، بعيدة كل البعد عن الصراع على السلطة و تقاسم مغانمها، مرتكزة على قوة الاغتراب المالية و المعنوية و المهنية و الاخلاقية، و خبرتها في العمل الجماعي و الحوكمة، برنامجها الوحيد إصلاح نظامنا و آداءنا السياسي و التوعية على المواطنة و دعم جهود كل الاصلاحيين بغضّ النظر عن انتمائهم السياسي و المناطقي، و الوقوف الى جانب العهد و الحكومة اذا كانا على مستوى طموحات شعبنا او الوقوف بوجههم اذا إنقضى الأمر كسدّ منيع امام إستتباع الدولة وإنهيار القيم و تعميم الفساد و تشويه الدستور و انكار احلام الاجيال الجديدة كما الشهداء، كل الشهداء. هذا الحلم سيصبح حقيقة قريباً جدّاً بعد سنتين من التحضير و التأسيس لحركة مدنية اصلاحية ستبدأ صفحة بيضاء من تاريخنا السياسي. قد يتطلب تحقيق أهدافها سنوات طويلة و تجارب عديدة و إخفاقات كثيرة، ولكن لا صبر يعلو على صاحب قضية.
هذا كان سرّ ابتسامتي العريضة يوم قدّمت إستقالتي من مجلس النواب: استيقظت من نوم طويل و وجدت الطريق الى تحقيق حلم الاصلاح.

لمعرفة المزيد